سوريا ... التآمر الخارجي على من ؟


النظام السوري يمارس حربًا ضروسًا على شعب أعزل، وعلى المنتفضين الساعين للحريَّة والكرامة وتحطيم وثنيَّة سياسيَّة استعبدت البلاد والعباد منذ نحو نصف قرن، وثنيَّة سياسيَّة تجعل من عائلة الرئيس وحاشيتِه فوق القانون، وتحوِّل الوطن إلى مزرعة، والمواطنين إلى رعايا وظيفتهم الأساسيَّة الهتاف والتطبيل ورفع الشعارات التي تقدِّس الرئيس فتحوِّله إلى هُبل جديد في عالم يتسابق على الاختراعات ويغزو الفضاء ويطور الاتصالات بطريقة مدهشة ومذهلة.


سورية الحضارة تُنسب لعائلة جاءت من رحم المجهول عبر انقلابات وغدرٍ بالأصدقاء وتصفية للحلفاء، كما حصل مع أمين الحافظ وسليم حاطوم وعمران وصلاح جديد وغيرهم، فيقال سورية الأسد وتنشَّأ الأجيال على شعارات قائدنا للأبد.. بشار الأسد وعلى الله.. سورية وبشار وبس!


نظام الأسد يمارس بصفاقة أنواعًا من الرذائل السياسيَّة ثم يرمي بها من يعتبرهم خصومه بإعلام أحسن الدكتور المتخصص بعلومه عوض السليمان بتوصيفه في مقالة قيمة "بالإعلام الفاجر" إعلام النظام لا يأبه بالمصداقيَّة ولا بالأخلاق، وهو يمارس بحق الساعين للحرية عمليَّات اغتيال معنوي لتتوازى مع التصفية الجسديَّة، والتي تقودها دبابات النظام وشبيحته وعصاباته الأمنيَّة، إعلام يتحدث عن عصابات سلفيَّة وإمارات إسلاميَّة، محاولا الاستفادة من أجواء العداء الدولي والإقليمي لتلك التنظيمات، وليبرِّر أساليب القمع الوحشي، والتي يمارسها بحق المواطنين العزَّل، ويضيف إليها تهمة التآمر الخارجي، وفي الأمر تناقض فاضح فأيَّة دولة تلك التي تدعم هذه الجماعات والتي تتعرَّض لملاحقات تحالف دولي كان نظام الأسد يتباهى بدوره الاستخباراتي فيه وخدماته الجليلة من معلومات وتعذيب لواشنطن ولغيرها؟


التآمر الخارجي والذي يتحدث عنه إعلام النظام ورموزه هو في حقيقة الأمر في الاتجاه المعاكس، هو تآمر على الشعب السوري ودوره ومكانته لصالح نظام حوّل قضايا الأمَّة المصيريَّة إلى أوراق سياسيَّة يعبثُ بها في مقابل أن يحكم بأسلوب العصابات والمافيا بلدًا عظيمًا حضارة وتاريخًا كسورية.


تآمر امتدَّ عقودًا، ولعلَّ من أبرز محطاته بلاغ 66 والذي أعلن فيه وزير الدفاع حينها حافظ الأسد في عام 1967 عن سقوط القنيطرة قبل يوم من سقوطها أو تسليمها، ليقفز الوزير الفاشل إلى سدة الحكم بعدها بسنوات قليلة، التآمر على شعب سوريا لا تخطئُه العين ونحن نرى مواقف عربيَّة ودوليَّة شبه متواطئة على دم الشعب السوري وكرامته وحرماته.


فبعد ما يزيد من شهرين على المجازر والفظائع والبطش من قبل عصابات النظام وشبيحته بحق المحتجين المسالمين، ومع توارد الشهادات عن التعذيب من مصادر متواترة كان آخرها شهادة مراسلة الجزيرة دوروثي بارفاز، نجد أن ردود الفعل العربيَّة سلبيَّة للغاية، لا بل وأكثر من ذلك فإن دولة عربيَّة ثريَّة قدَّمت للنظام قرضًا ماليًّا دعمًا وإسنادًا له! في حين أن مقارنة للمواقف الدوليَّة من نظام بشار ونظامي مبارك وبن علي واللذان كانا يُحسبان من حلفاء الغرب ومن رموز ما يسمى بالاعتدال العربي، تصيب المتابع بالدهشة والحيرة؛ فبعد أيام من الثورات هناك لمسنا مواقف واضحة، ورأينا أوباما وأردوغان يطالبان مبارك بالتنحي عن الحكم، وحين قطع النظام المصري الاتصالات وخدمات الإنترنت قامت الدنيا ولم تقعدْ تطالبه بإعادتها وتندِّد بخنقه للحريات.


لم نسمعْ من يطالب بشار برفع الحصار الإعلامي عن سوريا وشعبها، وعلى الرغم من كل التجاوزات واستخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة في مواجهة مدنيين عزل وشهادات مروِّعة لنازحين سوريين للبنان، خرج علينا أوباما مطالبًا بشار إما بقيادة الإصلاح أو الرحيل، أما طيب أودوغان فقد طلب من الولايات المتحدة "المزيد من الوقت" للأسد بهدف "تطبيق الإصلاحات"، قائلا: إنه لا داعي للتسرع في التعامل مع الملف السوري، محملا السفير الأمريكي في أنقرة رسالة بهذا المعنى إلى أوباما، قبيل خطابه الأخير، آملا منه عدم تضمينه خطوات باتجاه سوريا "تعرقل الجهود الرامية إلى تحسين الوضع في سوريا لجهة الحريات والإصلاحات" فهل يعقل أن رجلا اقترف مثل هذه الجرائم وبهذا الكمّ الهائل من الأكاذيب يمكن له أن يقوم بإصلاح، أي معنى لإصلاح جدي لا يشمل رحيله ومحاكمته؟!


ولماذا هذا الاستخفاف والاستهتار التركي والعربي والدولي بالدم السوري وبمعاناة هذا الشعب العظيم؟ إن الشجاعة التي يُبديها المتظاهرون السوريون في مواجهة آلة القمع والإرهاب والبطش هي شجاعة استثنائيَّة قلَّ نظيرها وندَر مثيلها، والوعي الكبير -والذي تبدَّى من هذا الشعب المقدام- سيصنع مع تضحياته الجليلة، سوريا الكبيرة دورًا ومكانةً وتعايشًا وثقافة، إن شعبنا وثورته السلميَّة الراقية سيُعيدان صياغة توازن القوى في المنطقة على أُسُس من احترام الآخر وتفعيل القيم والأخلاق الإنسانيَّة في القرارات السياسيَّة، إنها الشام، المنصورة بحضارتها وقِيَمها ورُقيِّها وإنسانيتها.. لا يضرُّها من خذلها


موقع البشير
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المدونة وشكرا
abuiyad